اهمية الفكر للانسان
يقول ديكارت فى بداية عصر النهضة انا افكر انا موجود
ويقول بيطاى فى هذا العصر انا لا اريد ان اعرف انا اريد ان اعيش
هذه هى المفارقة!!!
الفكر هو الامانة التى اختار ان يحملها الانسان على عاتقه , تلك الامانه التى يستمد الانسان منها تعريفه بكونه كائنا مفكرا يتميز بالفكر عن سائر الكائنات الاخرى , فالانسان هو البشر المفكر Homo Sapeinus كما يطلق عليه البيولوجيون.
و يقول الفلاسفة فى العصر الوسيط فى مخاض الحديث عن ماهية الله ان الله فكرا خالصا لا يشوبه مادة , وان الروح الذى حباها الله للانسان من ذاته كانت من نور الفكر, والفكر هو المسئول عن صنع حضارتنا الانسانية بكل ما فيها من تكنولوجيات ووسائل تجعل الحياة افضل وارقى ومازالت الحضارة مستمرة باضاءات الفكر وكل ما يحدثه من تجليات كالعلوم المعاصرة والفنون والاداب تصب فى النهاية لاشباع غايات الانسان وتحقيق راحته .
ان جوهر العقيدة الاسلامية يتمثل فى تحديد الدور الانسانى بكونه اعمار الارض وهى العبادة المطلوبه من الانسان على وجه الخصوص لانه مؤهل لها بفكره الذى يتميز به عن الملائكة فاعمار الكون بالسعى والعمل الصالح لهوبناء الحضارة التى يصنعها ويصيغها الفكر. يقول حبيبنا المصطفى (ص) مناجيا ربه اللهم اجعل صمتنا فكرا, ويقول ابى الدرداء تفكر ساعة خير من عبادة سنة, ان التفكر والتدبر كما هو معروف لهى عبادة مفروضة على كل مؤمن ومؤمنة لما للتفكر من دور جوهرى فى صنع الحضارة التى هى اعمار الارض جوهر الدين الاسلامى.
ان هذا الكلام معروف ومفهوم بل يقولونه على المنابر ليلا نهارا فما الداعى لان اذكركم به؟ الداعى ان حضارتنا العالمية اليوم تشهد ازمة حقيقية عندما اصاب البشر انغلاق وتقوقع على الذات واصبحوا مسطحين فى بعدا واحدا الا وهو البعد المادى الاستهلاكى الذى كرسته الاوضاع الراسمالية العالمية واصبح الجميع يلهث وراء اللذة والمصلحة الشخصية فاختفى الفكر من النظام العالمى الجديد واصبح ذلك الاختفاء يهدد بسقوط الحضارة الانسانية المبنية على نور الفكر هذه هى الدوافع التى تجعلنا نتحدث عن الفكر رغبة منا فى عودته مرة اخرى كبعد من ابعاد الانسان غير البعد المادى لكى يزداد الانسان عمقا وصمودا فى مواجة تحديات عصرة وكما يقول عبد الوهاب المسيرى ان تحقق العلمانية الشاملة التى تفصل بين حياة الانسان الخاصة والعامة وكل ما هو مقدس من القيم الانسانية و الاخلاقية والدينية قد اظهرت لنا الانسان الوظيفى المفعول به دائما الذى لا يشعر بكونه انسانا مفكرا مستقلا حرا
واحاول الان بعد هذه المقدمة التى ابرزت فيها دوافعى لاختيار هذا الموضوع ان اقدم مقترحاتى المتواضعة للاجابة على الاسئلة والتساؤلات التى تطرحها تلك المائدة المستديرة وهذا على استحياء منى :
ما هو الانسان؟ :هو الكائن المفكر بالالف واللام , فالانسان يتميز بفكر وشعور وسلوك يشكلا معا معزوفة الوعى الانسانى والوعى هو ازدواج ادراكى فالانسان هو الكائن الوحيد الذى يدرك كونه مدركا فانا ادرك الاشياء ثم ادرك اننى ادرك هذه الاشياء وهذا لا يحدث فى اى كائن اخر فالانسان يعى ذاته كمدرك للاشياء ولا يكتفى بادراكها فقط .
ما هو الفكر ؟ : هو المحتوى المتراكم من نتائج عملية التفكير الواعى المارة بخبرة الوعى الانسانى هذا التفكير الذى يتعلق بحل مشكلات نظرية كبرى يبحث فيها الانسان عن المعنى والقيمة . وعملية التفكير ذاتها هناك منها نوعان نوعا يتميز بالوعى وذلك عندما يجابه الانسان موقف جديد لم يمارسه من قبل او مشكلة كبرى معقدة , والنوع الاخر يتميز باللاوعى حينما يمارس الانسان اعمالا اعتاد عليها وعندما يكون فى مواقف قد تكررت عليه كثيرا كتزرير القميص مثلا ونجد هذا النوع فى معظم المشكلات البسيطة التى نقول عنها لا تحتاج الى تفكيروالتى ترتبط بالممارسة العملية اكثر من ارتباطها بالمشكلات النظرية .
فالتفكير ينشأ اصلا كمحاولة لحل المشكلات التى تواجه الانسان والمشكلات عديدة متنوعة باختلافها يختلف نوع التفكير فهناك مشكلات فلسفية تتعلق بوجود اسئلة فلسفية عن المعنى والوجود والقيمة نسمى نوع التفكير فيها بالتفكير الفلسفى وهناك اشكاليات دينية للتفكير الدينى واخرى علمية للتفكير العلمى واخرى اخلاقية للتفكير الاخلاقى وهكذا .
ويتم التفكير بكيفية معينة يمكن وصفها بانها تردى او سقوط لانعكاسات الصور الذهنية بعضها على بعض من اجل الخروج بنتيجة تمثل فكرة تحاول حل مشكلة او الاجابة على سؤال فالصور الذهنية المطبوعة لدينا تتميز بانها قادرة على ان تنعكس على بعضها البعض لتركب افكارا جديدة ومختلفة من خلال عملية التفكير اى ان التفكير هو اقامة علاقات بين مختلف هذه الصور الذهنية من اجل الخروج بافكار جديدة وتصورات مختلفة تشكل جوابا لسؤال او حلا لمشكلة استدعت هذه الصور الذهنية وتلعب المشاعر ايضا دورا هاما فى صياغة هذه الانعكاسات على بعضها البعض فمثلا عندما ارى رجلا يجرى مسرعا فى الشارع وتكون مشاعرى متجهة نحو الاحساس الدائم باستغلال البشر لى فان صورة اللص سرعان ما تظهر فى عقلى فتنعكس على صورة الشرطة وضرورة العقاب فتخرج فكرة المطاردة فافسر سلوك الرجل بانه لص يجرى من الشرطة يختلف الامر باختلاف المشاعر فاحيانا يكون لدى نوعا من الخوف فتظهر لى صورة وقوع شيئ من اعلى يهرب منها هذا الرجل فاجرى مثله العملية تتم بتعقيد ولكنى احاول فى هذا المثل ان اصف عملية التفكير على كونها عملية حركية للغاية تنتج افكارا هذه الافكار تتراكم فى الوعى الانسانى فتصنع ما نطلق عليه الفكر الشخصى الذى يتراكم فى الوعى الجمعى عبر الثقافة ليصنع الفكر العام . والامر مطروح للنقاش عن علاقة الفكر بالتفكير بالثقافة ككل وبضرورة احتكاك فكرى بفكر الاخر كى يتطور الفكران فى مركب جدلى ويستفيدا من بعضهما البعض .
ولكن الفكر الذى تقصده هذه المائدة المستديرة اعمق بكثير من كونه نتيجة عملية التفكير الفردى المتعلقة بالمشكلات البسيطة بل هو مركب جدلى لافكارتراكمت عبر تاريخ الوعى الانسانى عن مشكلات كبرى فى وجود الانسان تتعلق بالمعنى والقيمة . افكار تشكل هوية ثقافية لانسان او لمجتمع ككل .
ما الفرق بين الفكر والثقافة والمعرفة والعلم والفن والدين ؟ :
يقولون فى المسيحية آمن ثم تعقل اى ان المسيحية تفصل الفكر عن الايمان وتجعل موضوع الدين هو الايمان وحده وفى الاسلام يقولون تعقل ثم آمن حيث يصبح العقل هو والمصلحة اجزاء من مصادر التشريع الاسلامى بل والعقل ايضا مقصدا من مقاصد الشرع الاسلامى وهى الحفاظ على النفس والعقل والعرض والارض والثروة . اى ان الفكر لا ينفصل عن الدين فى الاسلام وهذا سببا كبيرا فى القطيعة المعرفية بين الغرب والشرق ففى حين يصبح الفكر كله والدنيوى منه ايضا فكرا دينيا فى الاسلام يختلف الامر فى المسيحية
لكن الدين عموما موضوعا للايمان اكثر منه موضوعا للفكر وهذه هى الجملة التقليدية الذى لا اجد غيران اقولها فى ظل ثقافة عالمية مركزية واحدة هى الثقافة الغربية حتى فى تجلياتها الشرقية
اما الفن فهو موضوع للشعور والاحساس لا يمكن اغفال قيمته للانسان وان كان فى الاونه الاخيرة ظهر الفن كاحد اهم لغات الفكر التى يعبر بها عن نفسه والعلم جزء من المعرفة فهو معرفة ممنهجة منظمة تقوم بدورها فى خدمة الواقع تخدم الفكر احيانا ويخدمها الفكر احيانا اخرى اما المعرفة فهى ذلك التراكم الهائل من المعلومات والافكار عند كل افراد الانسانية والمعرفة جزء هام من الثقافة وكذلك الفكر جزء من الثقافة التى تحوى الفكر ويحويها الفكر فى حين تمتد الثقافة للسلوك الانسانى وتشمل العادات والتقاليد والطقوس يقف الفكر وراء السلوك الانسانى دون ان يمتد اليه فهو يحافظ على كونه صورة لا مادة والفكر يصنع المعرفة التى تصنع الفكر فكل منهما يغذى الاخر علاقتهما جدلية متداخلة .
هل الفكر ميزة انسانية فقط ؟ وهل الكائنات الاخرى لها فكر ؟ وما الذى يميز فكر الانسان ؟
الفكر بالمعنى الذى اشرنا له سابقا ميزة انسانية فقط الا ان بعض الكائنات تبرز انواعا قريبة من التفكير ولكنها لا تشكل فكرا ولا تفكيرا بل عبر الارتباط الشرطى والفعل الغريزى او ما شابه فهى كائنات وان كانت تدرك ( بطريقة مختلفة عن الانسان فهى لا تدرك الكل وانما يقتصر ادراكها على الجزء ) الا ان ادركها لا يزدوج ولا تعى انها تدرك اى ليس لها وعى .
ما موقف الفكر من التخصص ؟:يقول نيتشة " المتخصص اذن كبيرة ولسان طويل يجرهما قدمين " فالتخصص عدو الفكر كما يخبرنا العقاد فنحن نعيش حياة واحدة نستفيد من خبرات وافكار بعضنا البعض لكن تظل خبرتنا بحاجة الى الكثير من المعرفة حتى لو كانت فى مجالات اخرى غير مجال التخصص فالكيميائى يتزوج وينجب ويربى ابناء فهو يحتاج لخبرة وفكر فى هذه المجالات وليس الفكر الكيميائى وحده قادرا على ان يوفر له الخبرة فى هذا الصددوكذلك الاجتماعى يتغذى ويستخدم الكيمياء فهو يحتاج الى المعرفة والفكر فى هذا المجال والا اصبحنا كما قال الفيلسوف الاسبانى المعاصر جاسيت المتعلمون الجهلة اى المتخصصون فالفكر عدو التخصص .
هل هناك غاية من وراء الفكر؟ وما هى ؟ : لا غاية من وراء الفكر سوى اشباع احتياجاتنا للنور المعرفى اما كل ما يتردد عن كون الفكر يؤدى بصاحبه لغنى مادى او مناصب وسلطان وجاه كلام لا اقبله فالفكر الانسانى لا غاية من ورائه سوى ان نشعر بانسانيتنا حينما نفكر فى كل ما يجعل حياتنا ذات معنى وقيمة .
هل للفكر دور فى السيطرة على السلوك الانسانى ؟:
الفكر محدد للسلوك ينعكس عليه ويوجهه
ما موقف الدين من الفكر ؟ : سبق ايضاحة فى التمهيد
لاننا لا نحترم مفكرينا ولا نسعى لصنعهم بل نكتفى بصناعة الفنانين والموديلات ولا نهتم بصناعة نجوم للفكر والثقافة فالراسماليون الكبار فى الداخل والخارج يسعون بكل ما اوتو من قوه فى خضم تسطيح الانسان وفقدانه للمعنى والقيمة وقصره على بعد واحد هو البعد المادى الاستهلاكى
ماذا نفعل لتنمية الفكر فى بلادنا؟:
لابد من تبنى رؤية قومية حلم عام يجمعنا يسعى لاقامة الفكر كاحد عناصر التنمية فليس بالخبز وحده يحيا الانسان والاهتمام بصناعة نجوم الفكر كما كان فيما مضى
كل ما قلته للنقد والاضافة والتنقيح لانى اردت لفكرى النمو ادخله فى جدل مع فكر الاخر على وعى ان المحصلة ستكون مركب جديد مختلف من الافكار سينمو مرة اخرى بنفس الطريق وشكرا

Comments
Post a Comment